علي بن زيد البيهقي

508

تاريخ بيهق

* إن ذلك الذي عليه آثار الجاه والنعمة * وفي خدمته ألف من ذوي المناطق الذهبية تساوى في النّفس الأخير * مع الفقير ذي القدر المتواضع فيجب أن لا يسمح للشيطان أن يستولي على مكامن الأقوال والأفعال . اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطانُ فَأَنْساهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ « 1 » لكي يكون طريقه واضحا ، يوم يلجأ إلى اللّه ، ولا يطرق سمعه نداء آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ « 2 » . فعدوّه يطفئ مصابيح العقل بنفخ الهوى ، ويصيب بالكسوف شمس المعرفة بعقد الحرص وحب الدنيا ، وفي ذلك الوقت الذي تعاين فيه نفسه سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ « 3 » وتهجره الأموال والأولاد والجاه والنعمة ، ويذهب خدمه وحشمه إلى مخدوم آخر ، ويتكدر شراب أمله ، ويسلمونه إلى تراب اللحد في بيت الوحدة والوحشة ، وكلما ازدادت نعمته ، ازداد انشغالا في كيفية حفظ تلك النعمة ، إلّا أنه لم يخطر على باله التفكير في ولي نعمته ، وكل من شغل بالجزع والندبة يقول : ما ذا أستطيع أن أفعل في الدنيا من غيرك ؟ دون أن يمرّ على خواطرهم : ترى ما الذي يستطيع أن يفعله هو في ذلك العالم بلا مال أو نعمة وخدم وحشم مع وعورة الطريق وانعدام الزاد ؟ وينبغي أن لا يخدع نفسه بقوله : إني ربّاني ومؤمن ، فإن لذلك دلائل وعلامات كثيرة ، فالإيمان والمعرفة اللذان لم يمنعاك من الإصرار والدوام والمواظبة على النواهي والمعاصي ، كيف سينجيانك من غضب اللّه تعالى في الآخرة ؟ فكما أن المصباح لا يضيء إلّا باجتماع الفتيلة والزيت ، فإنه إن لم تجتمع العقيدة

--> ( 1 ) سورة المجادلة ، الآية 19 . ( 2 ) سورة يونس ، الآية 91 . ( 3 ) سورة ق ، الآية 19 .